استعيد كلمة سرك.
A password will be e-mailed to you.

أحس عمر بجفاف طارئ في حنجرته، إمتدت يده في تردد إلى فنجان الشاي أمامه، بدأ بخار الفنجان يتلاشي، رشف منه ثلاث رشفات متتالية،كان من خلالها كأنه يشرب الدواء، تأمل مسترقا النظر،في ملامح سعاد ، زوجته التي هجرها، ظهر كأنه يعيد إكتشافها، تمنى لو إعترف لها بخذلانه،ونذالته،زادت القسمات المضطربة التي إرتسمت على وجهه في فضحه،وعمقت قتامتها من إنكسارات نظراته، شعر بالغثيان، هاجمه الخوف من المجهول،وسيطر على قلبه إحساس موحش،شعور بالرغبة في المقاومة، ما جدوى مقاومة الفريسة بعدما تلتف حولها المصيدة ؟ كانت آخر فلول الدخان تصعد من المدفئة، النار دائما تلد الرماد، والرماد إعلان مسبق على نهاية الدفء، ما لم يتغذى بحطب جديد، صار دبيب رعشات متفاقمة ينط أسفل قدمي عمر،يكتسح جسمه،يربك أفكاره،حاول دون نتيجة، أن يتخلص من كرسيه المتحرك اللعين،كانت صدمته مُهولة، لم يصدق أن العجزَ أصاب رجليه، شل حركتهما،أدركت سعاد أن شيئا ما وقع، إقتربت بكرسيها المتحرك ، تنظر لعمر، المُطأطئ الرأس، أصبح مصلوبا يرجو الخلاص، ينتظر من أجله في طابور طويل وبطيء التحرك من اللاجئين والثكالى، ضحايا الحروب ، فارس مهزوم، يجر خسائره،ألمحت سعاد لفطومة، أن تسدل ستائر الشرفة البيضاء الشفافة،أبحرت في عيني عمر بدون أشرعة،بلا مجاديف، طبعا، تعرفه، كانت نظراته مفعمة بالحسرة وبالغليان، مثل بركان عاوده نشاطه بغثة، قالت سعاد : ما كانت الحياة علينا يوما أقسى من أنفسنا،إستجمعت أنفاسها، لملمت قواها المبعثرة، تأملت زركشات ستائر النوافذ المطرزة، رفعت نظرها من جديد، كانت أسراب السنونو لاتزال محلقة، تتهادى في الفضاء الفسيح، عجيبة،هذه الطيور، لاتفارق سماء الحي الشتوي، في مثل هذه الأيام من السنة، حيث الشتاء يودع، والربيع يقرع الأبواب، ملامح دموع ضئيلة غزت عيني عمر، وضعت سعاد أمامه علبة خشب من العرعار، لمناديل الورق،الدموع أحيانا تغسل الخطايا،والإعتراف يبقى صكــ غفران، قالت : ألا ترى أسراب تلكـ الطيور، وهادي الأغصان المتشابكة للجكراندا، تصنع بالتآلف والحب المستحيل،أومأ برأسه بالإيجاب، داعبت فنجان الشاي من جديد بأناملها، حرارة لذيذة كأنها البلسم يعالج الجراحات، وتوحي بالحياة من جديد لسعاد، دماء جديدة تتدفق على خديها،قبل أن تنهض عن كرسيها المتحرك، تقلع عنه مثل طائر كركي يغادر مزهوا صفحة مياه بحيرة حالمة، صاحت فطومة، يا الله! كم أنت كريم يا رب، للا سعاد تقف، تقف على قدميها،معجزاتكـ إلهي، مياه نابضة بالراحة والشفاء تورد إليها الأخيار. لم تخف سعاد فرحتها العارمة،دهشتها اللامنتظرة، ما وقع حقيقة ملموسة، وليس حلما، إرتمت فطومة بين أحضانها تقبلها وتعانقها، تربث على كتفيها، تطيل النظر إليها، فرحة كبيرة هو الإنعتاق.