الصبوحي : إحتفاء “سماع مراكش” بطرب الآلة مع إطلالة الفجر

 مـحـمـد الـقـنـور :

في أرجاء قبة المنارة وعلى أفق صفحة مياه صهريجها التاريخي الفسيح، الذي يعود بنائه إلى ما يقارب الألف سنة، كأحد أبرز معالم الحضارة الموحدية بمدينة مراكش، ومع الإطلالة الأولى لأشعة الفجر من يوم 22 أكتوبر الجاري، توحدت تماوجات مياه الصهريج الفسيح، مع أنغام آلة الرباب وأوتار عود الرمل من طرف جوق أحمد التازي لبزور ، لطرب الآلة برئاسة الفنان الأستاذ عز الدين الحرش، المسترجعة لأصداء مجالس السماع وحلقات الشعر والآداب ومظاهر فنون العيش المغربية الأندلسية، من خلال فقرة الصبوحي، لطرب الآلة،المتضمنة في حصتها الأولى لــ “إنصراف بسيط رمل الماية” و”صنايع توشيح” ساعة الفجر، جريا على عادات مهرجان سماع مراكش في كل دورة، مع رواده ومتابعيه من الجمهور المغربي والسياح الأجانب.

ففي نسخته الحادية عشر،المنظمة تحت الرعاية السامية لصاحب الجلالة الملكـ محمد السادس، من 19 إلى 23 أكتوبر الجاري، بعنوان “اللقاءات والموسيقى الصوفية”، رفع مهرجان سماع مراكش من إيقاع فعالياته،عبر تنوع الفقرات، وتعدد الرسائل التي وجهها من أجل إبراز قوة وعراقة وتنوع التراث المادي واللامادي، والحفاظ على مختلف مضامين ورمزيات الهوية الوطنية الدینية القائمة على الوسطية، والتاریخية المؤسسة على التراكمات التاريخية في مختلف مجالات العلوم والصنائع والفنون، التي يأتي على رأسها فنون السماع والإنشاد بالمواسم والاحتفالات وفي المزارات والزوايا كموروث مغربي أصيل، ظل ولايزال يقاوم التغريب والتجهيل والتطرف والدوغمائية، وإبراز مدى الصلة المتينة والمتجذرة للمغاربة من شتى الأطياف والفئات بمؤسسات التنمية والبناء ومصادر الوطنية والصلاح .

إلى ذلكــ ، فإن طقس الصبوحي، كطقس موسيقي غنائي، لايعزف إلا ساعة الفجر، حيث تتواثر أنغامه مع إرتفاع وهج الضياء، ومراحل أشعة الشمس من “الشروق”، إلى “البكور”، ثم من “الغُدوة”، إلى أن ينتهي الصبوحي في “الضحى”، ذلك لأن الوصلات الموسيقيّة في أساسها فن يتوحد بالزمن ويشكله في عمقه،والأذن البشرية لا تستسيغ اللحن والكلمات إلا في فترات الهدوء والسكينة، ومتى رافقت الموسيقى موجات الضجيج أو الصخب أو عدم إنضباط السمع لها ، فإنها تتحول إلى نشاز.

والواقع، أن جمعية منية مراكش برئاسة الأستاذ الباحث مولاي جعفر الكنسوسي، قد تمكنت من مراكمات رزنامة من الكتابات والملصقات والمطويات والدراسات والمحطات الثقافية التواصلية والأقراص التدوینية بالصوت والصورة ، تثمن أليات وطرق الحفاظ على التراث المادي خصوصا في شقه المعماري بمراكش،وتروم التحسيس بتميزه،وتسعى إلى صون التراث اللامادي عبر إحتفاليات “تقطير الزهر” أو زهريات مراكش، ومهرجان سماع مراكش، الذي ينصب على طرب الآلة وفن الموسيقى الأندلسية والغناء، والمدائح النبوية،ولا تقيَّد طرب الآلة بالكلمات ولا حتى في مقاماته بالأوزان الشعرية للخليل بن أحمد الفراهيدي،غير أن نوباتها تُقدم بالالآت الموسيقية الوترية كالعود والكمنجة، والقَانون والرَّباب، إذ نشأت وتطورت في الأندلس وحملها المسلمون ممن تم طردهم من طرف الإسبان بعد سقوط غرناطة آخر معاقل الحكم الإسلامي إلى بلدان المغرب، فباتت تعرف بالموسيقى الأندلسية أو موسيقى الآلة، والطرب الغرناطي في المغرب.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.