قصة قصیرة جدا… كبرياء رجل طاعن …
كــبــريـاء رجــل طــاعــــن …
استعيد كلمة سرك.
A password will be e-mailed to you.
أَصبح العیاشي یستیقظ مضطرا في كبد اللیل، حتى لا یتخلف عن موعد السوق الأسبوعي.ظروفه لم تعد رحیمة به، العربة التي كانت تؤنسه في تنقلاته بين الدواوير والمداشر، وعلى مناكب الأسواق، هاهي، قد تحولت الى خردة ، لم یبق أمامه سوى تلك الحافلة الیتیمة التي تطل على القرى المتجاورة مرة في الأسبوع .السوق بالنسبة إلیه ھبة من السماء، عالم تتجدد فیه براعم الأمل ، و تتوالد بین متاھاته أسرار الحیاة في عذریتھا وبراءتھا وفي عفویتھا. كان العیاشي أول من وطأت قدماه أرضیة محطة الحافلة ، یتسیدھا ھدوء حذر ، اللھم من صدى وقع دبیب حوافر دواب في طریقھا إلى السوق ، غیر عابئة بمن ینتظرون تلك الحافلة الیتیمة حالھم كحال العیاشي، یمنون النفس بمقعد من مقاعدھا ، أو حیز على سطحھا الخارجي إلى جانب سِلال فیھا بضائع محلیة للبیع. بدأ ھدوء المحطة یتلاشى مع رحیل آخر فلول الفجر ، حل محله ھمس سرعان ما تحول إلى ضوضاء ، أینعتھا ریح شرقیة عبرت منعرجات التلال المتواریة، حاملة معھا إرھاصات رائحة بنزین، سُمع أزیز محرك الحافلة یتواتر صدى ھدیره ،كطائرة شحن تستعد للھبوط على مدرجات مطار ثانوي. إشرأبت أعناق ، تراكمت ھامات على بعضھا ،أدرك العیاشي ان معركة السوق تبدأ من ھنا. إندس بجسمه النحیل بین أجسام متشابكة، أطياف تائھة بین رمال صحراویة أعیاھا الترحال، عسى أن یحظى بفرصة مقعد ، أحس بضربات نتوءات مرافق تتساقط علیه كالبرد بین مد وجزر ، لم یقو على تحملھا كملاكم خانته قفازتاه أثناء النزال ، فرفع الرایة البیضاء ، تحسر على روح الفروسیة التي رحلت مع رجال القریة الحقیقیین في مثل ھذه المواقف.
بدأ اللیل یرخي ستائره على الدواویر المتناثرة في الأفق ، كانت الھواجس تطارد العیاشي ، كسیر الجناح ، خالي الوفاض ، لم تعد قدماه تسعفانه على إتمام مشواره ، رغم أن الطریق إلى سبیله أقرب إلى وریده ، لكن ھو أبعد ما یكون في أعماقه ، توقف مترددا یتأمل تلك الأدخنة المتصاعدة مخترقة فضاءات دور القریة ، والأضواء الشاحبة المختبئة وراء كوات جدرانھا ، إغرورقت عیناه بدموع غالیة ، ضم یدیه إلى بعضھما خلف ظھره ، تابع سیره بخطى بطیئة ، فاجأه كلب یتمسح بتلابیب جلبابه ، لا یتوقف عن الرقص بذیله ، تدافعت كلمات من بین شفتیه دون إذنه ، ألیس ذلك دخان في بیتي ، وضوء ینعكس على جدرانه .؟