التشكيلية الإسبانية كارلا كيريخيتا روكا، تعود مُتألقة لماتيس بمراكش

مـحـمـد الـقـنـور : 

تحت عنوان “العودة دائماً” قدّمت الفنانة التشكيلية الإسبانية كارلا كيريخيتا روكا، Carla Querejeta Roca باكورة أعمالها الفنية الجديدة برواق ماتيس للفنون، و ذالكــ بتنظيم من طرف كل من إدارة الرواق تحت إشراف الأستاذ كريستوف سوكال، Christophe Sokal وإدارة معهد ثيربانتيس بمراكش ، حيث إختزلت لوحاتها المعروضة تفاصيل رحلة تشكيلية مشبعة بالذاكرة ومفعمة النور وداعية إلى الحنين، الذي يمتزج فيه عبق الأمكنة بصدق العواطف الجياشة التي شكّلت حياتها ومسارها الفني.

وتكشف الفنانة كارلا كيريخيتا روكا،Carla Querejeta Roca،في لوحاتها عن العلاقة العميقة بين الإنسان والأماكن التي يسكنها، وكيف تبني الذاكرة والجغرافيا الهوية. تتحول المواد في أعمالها، من القماش الممزق، الخشب المقطع، والألوان المتماوجة، والحركات المتداخلة، وتناغم الأطياف مع القيم، إلى فضاءات داخلية، وإلى عالم يتشكّل من جديد ويتفكّك تلقائيا ليُعاد بناؤه باستمرار، مثل طائر الينق الذي ينبعث من رماده.

ففي قلب مدينة طنجة، حيث تتراقص الألوان  لتعانق زرقة البوغاز، وحيث تتوحد الأساطير مع قوافل الفن والإبداع، تاركة أجمل البصمات على جدران الأزقة القديمة، ترعرعت الفنانة التشكيلية الإسبانية كارلا كيريخيتا روكا، وكأنها تعيد صدفة وهج الفنان الفرنسي هنري ماتيس، Henri Matisse 1869-1954- الذي إنغمس في جمالية المغرب، من نافذته بطنجة، وكأن القدر يعيد تراتيل الذكرى مع كارلا، لتعرض في رواق يحمل إسمه.

والواقع، أن لوحات كارلا كيريخيتا روكا، لا تشبه سواها، حيث لا تمثل  مجرد انعكاس لتأثرها بالمغرب، بل تترجم نداءً داخليًا وترسم طرقا نابضة نحو صفاء وفطرية الجنوب، نحو المغرب… ذلك البلد الذي أسر قلبها قبل أن يأسِر فرشاتها.

ولا تخف الفنانة كارلا كيريخيتا روكا،Carla Querejeta Roca، تأثرها بطنجة التي تعتبرها راسخة في وجدانها منذ طفولتها، مشيرة أن هذه المدينة المضيئة ظلت تسكن كل لوحاتها من خلال أسطح منازلها القديمة، ورائحة البحر، وأصوات الطفولة وذكرياتها، وإن كانت تلوح  في أعمالها مدن أخرى مثل باريس ومدريد وسريلانكا وتولوز، وكأن لوحاتها مراحل من رحلة إبداعية متنوعة وفريدة لا تنتهي، وإن كانت العودة دائما تتم إلى طنجة.

فمنذ عودتها إلى طنجة ثم مراكش، وقعت في حب الضوء المغربي، في عشق الأبواب الخشبية المنقوشة، والأسواق المزدحمة والجلود والأواني المزركشة، ونكهات التوابل القوية، والوجوه التي تحكي ألف حكاية وحكاية، ولم تعد إسبانية فقط، بل أصبحت سفيرة إبداع وفن لعشقٍ متبادل بين ثقافتين، وبين ضفتين أساسيتين من ضفاف الأبيض المتوسط، فــ كارلا ترسم المغرب لا كما يُرى، بل كما يُحسّ ويُعاش.

هذا، وإذا كانت أعمال الفنانة كارلا كيريخيتا روكا،Carla Querejeta Roca، تنحو إلى التجريد والتأثيرية، فإنها تختزل في أعماقها مصفوفات ألوان الزليج الأندلسي مع طلاوة الحناء الصحراوية، وتتمازج أصداء الأطلس الكبير بداخلها لتتوحد مع دفء الريف، ولتخلق عالماً فنياً لا وطن له إلا الجمال، ولا لغة له إلا الانبهار، فكارلا  فنانة لا ترسم المغرب في لوحاتها، ولا تستوحي منه فقط، بل تعيشه بروحها وبأنفاسها وبلمسات فرشاتها، وكأنها تدعو المتلقي ليعيشه معها، ضمن لوحةً بعد لوحة، وفي بوثقة حلمٍ بعد حلم.

والواقع، أن معرض “العودة دائماً” يشتمل على مجموعة من أعمالها الحديثة التي تعبّر عن العودة، وتثمن الذاكرة، وتحتفي بالاستمرارية، في سياق شاعري تشكيلي يعكس قوة الحركة النورانية وأهمية الجذور المشتركة، التي تتقاسم مختلف الأمكنة والأزمنة والنفوس، وتتآلف ضمن بوثقته الأرواح بأسلوب بصري يجمع بين الشعر الرقيق والعمق الإنساني.

وللإشارة، فقد وُلدت الفنانة التشكيلية كارلا كيريخيتا روكا في مدينة بامبلونا الإسبانية، ونشأت بين مدريد وطنجة، وإن كانت تعيش حالياً في مدينة تولوز الفرنسية، منذ أكثر من عشرين عاماً.

فمن بين أزقة مدينة بامبلونا الهادئة، خرجت كارلا كيريخيتا روكا تحمل فرشاتها كجواز سفر نحو الضوء، نحو الجنوب، نحو طنجة، مرتع طفولتها … تلك المدينة التي لا تشبه غيرها، والتي فتحت لها أبواب المغرب كما تفتح القصيدة صدرها لعاشقٍ متلهف.

ويبدو أن طنجة لم تكن مجرد مدينة بالنسبة لكارلا، بل كانت انكشافًا بصريًا وروحيًا، وجدت فيه ما لم تجده في أوروبا، فمن المؤكد أنها وجدَت نبضًا، وجدَت سردًا بصريًا يروي التاريخ والهوية والحنين، ثم من خلال طنجة، دخلت إلى قلب المغرب، لا كزائرة، بل كفنانة تُعيد رسمه بلغةٍ تشكيليةٍ خاصة، تمزج بين الحداثة وما بعد الحداثة الإسبانية وروح الآصالة والثقافة المغربية.

ففي لوحاتها، تتراقص النتوءات على إيقاع الأضواء، وتنبض الأطياف كما تنبض الأسواق القديمة بالحياة، لتصبح كل ضربة فرشاة من الفنانة كارلا كيريخيتا روكا،Carla Querejeta Roca، هي ترجمة لحوارٍ داخلي بين ثقافتين، وكل لوحة هي جسرٌ بين ضفتي المتوسط، حيث لا حدود للفن، ولا جغرافيا للعشق.

فــ “كارلا” لا ترسم لطنجة فقط، بل ترسم ما تتركه طنجة في القلب، وما يهمس به المغرب في الروح. إنها فنانة تشكيلية متعددة الأسفار، تُجيد الإصغاء لطنجة ولمراكش ولباقي المدن، ثم تُعيد سردها على القماش، وعلى الورق الخشبي المقوى، كما تغنى الترانيم، وكما تُروى الأساطير والأقاصيص، لدى الحكواتيين في ليالي جامع الفنا الدافئة .

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.