إنقراض الديناصورات : ذاكـ اللغز الذي لا يزال يحير العلماء
ترجمة : مــحـمــد الـقـنـور :
عن أعداد من مجلة : Préhistoire Magazine “بتصرف”
إنها الديناصورات تلكــ الحيوانات الزاحفة الشديدة الضَّخامة التي عاشت على الأرض منذ عصورٍ سحيقة، وكانت من مجموعات الحيوانات الأكثر انتشاراً على كوكبنا لفترة قدَّرها العلماء بـ 160 مليون سنة تقريباً، والتي شكل إختفاؤها من على الأرض، على نحوٍ مفاجئ، قبل حوالي 65 مليون سنة، لغزا ظل إلى الآن يحير العلماء قبل جميع الناس، فكثُرت الفرضيات وتناسلت التحاليل العلمية، وتوسعت الحفريات والتنقيب في مختلف قارات العالم .
وقد اختلف العُلماء في تحديد سبب انقراضها، حيث لا زالت ثمَّة تفسيراتٌ عديدة ومتفاوتة مطروحة، إلا أنَّ قسماً كبيراً من المُجتمع العلمي يميل إلى أنَّ السبب الرئيسي يعود إلى اصطدام كويكبٍ ضخم آت من الفضاء الخارجي بسطح الأرض، حيث تسبَّبت سُحُب الغبار المتناثرة عن الاصطدام بحجب أشعَّة الشمس، وبالتالي وقعت تغيُّرات مناخيَّة مفاجئة وشديدة على كوكبنا الأزرق، الذي تحول إلى رمادي آنذاكــ لفترة تقدر بآلالاف السنين ، ولم تستطع العديد من الحيوانات التكيُّف مع تلك التغيرات، فكانت النتيجة انقراض جميع أنواع الديناصورات التي عاشت آنذاك، إضافةً إلى نحو 60% من جميع أشكال الحياة الحيوانية والنباتية التي كانت الموجودة على الأرض في ذلك الزَّمن.

ومهما يكن، فإن عصر الديناصورات على كوكب الأرض يعود لبداية العصر الترياسي، أي قبل 230 مليون سنة تقريباً، وهي تنتمي إلى مجموعة الزواحف، التي تضمُّ السلاحف والتماسيح والأفاعي والسحالي بمُختلف أنواعها.
ولقد ازداد تنوُّع الديناصورات بوتيرةٍ متسارع على مرِّ العُصور التالية للعصر الترياسي، بحيث أصبحت من الحيوانات الأكثر ضخامةً وتنوُّعاً وانتشاراً على الأرض. لكن لا يُمكن للعلماء التعرُّف على هذه الكائنات إلا عبر أحافيرها ومستحثاتها التي يُعثَر عليها بصُعوبة بالغة، ممَّا يجعل دراستها أمراً غير سهل. ومع ذلك، فقد اكتشف العلماء منذ سنة 1824 وحتى زمننا الحاضر أكثر من ألف نوعٍ من الديناصورات، التي عاشت على مرِّ 160 مليون سنة من تاريخ كوكبنا، بالإضافة إلى حيوانات ونباتات عاشت على الأرض إلى جانب الديناصورات ، والتي تنتمي إلى فئاتٍ أخرى من الزواحف، على غرار ما يُسمَّى التيروصورات (بالإنكليزية: Pterosaurs)، وهي زواحف مُجنَّحة شديدة الضخامة، كان يصل عرض أجنحة بعض أنواعها إلى أكثر من 10 أمتار، كما كانت تعيش في البحار العديد من أنواع الزواحف العملاقة الغريبة، مثل البيلزوصور ذي الرَّقبة الطويلة التي كانت تمكنه من اصطياد الأسماك، والموزاصور الذي كان بحجم الحوت الأزرق ، بطول يتجاوز الــ 17 متراً، والذي يُعتَبر أحد أكبر المخلوقات اللاحمة التي عاشت على الكوكب في التاريخ.
وتتباين النظريات العلمية حول انقراض هذه الكائنات العملاقة مع أنَّ الاتفاق العلمي آخذٌ بالتوجَّه منذ ثلاثة عقود وبصورةٍ متزايدة نحو نظرية أنَّ اصطدام الكويكب بالأرض ، والذي كان العامل الرئيسي وراء انقراض الديناصورات، إلا أنَّ ثمة العديد من النظريات المقترحة التي تُحاول تفسير اختفاء هذه الكائنات عن الكوكب، وهي مُتنوِّعة ومتفاوتة جداً، ومن أهمِّها، النظرية السالفة الذكر المتعلقة باصطدام الكويكب، والتي تبرهن على صحتها في نظر دعاتها من العلماء ، تلكــ الرواسب المُكتشفة من أواخر العصر الطباشيري إلى أنَّ الأرض قد شهدت سلسلةً من الموجات الزلزاليَّة الشديدة في فترة انقراض الديناصورات، وهو حدثٌ يُمكن أن يترافق مع حدوث اصطدامٍ كبيرٍ لكويكب. من جهة أخرى، اكتشفت في نفس الرسوبيَّات كميَّات وفيرةٌ من عُنصر الإريديوم، وهو عنصرٌ كيميائيٌّ نادرٌ جداً في قشرة الأرض، إلا أنَّه منتشرٌ في التكوين الكيميائي للعديد من كويكبات الفضاء الخارجيّ، وذلك فضلاً عن أن الكثير من بلورات الكوارتز المضغوط نتيجة صدمة عالية قد اكتشفت في نفس الطبقات، ممَّا يُدعِّم بقوَّة مثل هذه النظرية.

وعلى كل حال، فإن في مثل هذه الحالة، لن تكون الصَّدمة الناتجة عن ارتطام الكويكب بالأرض هي السبَّب الأساسي وراء الانقراض، وإنَّما حُطام الكويكب الذي تصاعد على الأرجح على صورة سُحُبٍ غباريَّة عملاقة إلى الغلاف الجويّ، ممَّا تسبَّب بحجب ضوء الشمس، وبالتالي انخفاض درجة الحرارة على سطح الأرض بمقدارٍ كبيرٍ جداً، ونتج عنه تدمير الغطاء النباتي الحيوي لعيش الديناصورات والقضاء على الكثير من أشكال الحياة الملائمة لها، نتيجة الاضطرابات المناخيَّة الشديدة، مثل العواصف الرعديَّة والنارية وانبعاث الأشعَّة تحت الحمراء بكميَّات كبيرة، وإرتفاع ظاهرة الإنفجارات البركانية، وترتبط هذه النظرية مع الاعتقاد القائل بأنَّ انقراض الديناصورات كان أمراً تدريجياً، فعوضاً عن أن يكون قد وقع فجأة قبل 655 مليون سنة، يُمكن أن يكون حدثاً استغرق مئات آلاف أو ملايين السِّنين، حيث تشير الدلائل إلى بدء سلسلةٍ من ثوران البراكين الشَّديدة في غربيّ الهند على مستوى هضبة “الدَكَان” بدءاً من فترة 688 مليون سنة خلت ولأكثر من مليوني عام بعد ذلك.

ومن المُمكن حسب أراء علمية أن تكون البراكين النشيطة والكثيرة في عالمنا آنذاكــ ، قد ساهمت هي الأخرى في انقراض الديناصورات بطُرقٍ مختلفة،نتيجة إنتشار غاز الكبريت السامّ في الهواء، واحتجاب ضوء الشمس عن الغطاء الغابوي والنباتي بسبب الدخان الكثيف الذي أطلقته تلكـ البراكين، والذي تزامن جيولوجيا مع الانجراف القاري حيث تفيد نظريَّة الصفائح التكتونية بأنَّ القارات تقوم على كتلٍ منفصلةٍ من اليابسة تطفو فوق الطبقات الداخليَّة للأرض، وأنّ هذه الكتل تتقارب أو تبتعد عن بعضها بعضاً باستمرار،وفق نظرية “فاجنر” المتعلقة بزحزحة القارات، ومن المُحتمل أن تكون هذه الظاهرة قد أدَّت دوراً في انقراض الديناصورات، حيث تشير الكثير من الدلائل إلى أنَّ القارات كانت آخذةً بالانجراف من خط الاستواء نحو القُطبَين خلال العصر الطباشيري، ممَّا قد يكون سبَّب تغيُّرات مناخية في مناطق مُختلفة، وصلت حتى ست درجاتٍ مئوية في بعض المناطق. إلا أنَّ ثمة ثغراتٍ عدَّة في هذه النظرية، مثل عجزها عن تفسير عدم بقاء الديناصورات على قيد الحياة لفترةٍ أطول قرب خط الاستواء.
كما أن نظريات علمية أخرى، متعلقة بأسباب إنقراض الديناصورات ، تؤكد على ما يُعرفُ بإنتشار النبات السام ، إذ ترجّح هذه النظرية ظهور نباتات سامة في الحقبة الأخيرة من العصر الطباشيري، حيث قامت مُعظم أنواع الديناصورات آكلة النبات بالتغذي عليها ممَّا أدّى إلى تسممها وموتها، ومن ثم موت الديناصورات آكلة اللحوم ، التي كانت تتغذى عن الديناصورات والحيوانات العملاقة العاشبة ، حيث لم تعد هناك فرائس لتتغذَّى عليها.
والواقع، أن هذه النظرية رُفضتْ من قبل الكثير من العلماء والباحثين لصعوبة تصديقها، فالنباتات السامة تنتشر حتى في عصرنا الحديث بأصناف وأنواع كثيرة، لكنها لم تتسبّب بانقراض أي نوع من أنواع الكائنات الحية، كما أنَّ هذه النظرية تفشل في تفسير سبب انقراض الكائنات البحريَّة في نهاية العصر الطباشيري في أعماق المحيطات والبحار ، والتي لم تكن لتتأثَّر بتلك النباتات السامة على اليابسة.
في ذات السياق ، افترضت نظرية علمية أخرى، إمكانية ظهور جرثومة معدية أصابت جميع أنواع الديناصورات وتفشّت بينها ممّا تسبّب بموتها الجماعي، ووصفت هذه النظرية بالضعف؛ لأنّه يصعب وجود جرثومة واحدة تصيب الأنواع المختلفة جينيا والمتعدّدة من الديناصورات التي تختلف بقوّتها وقدرتها ومناعتها على محاربة الجراثيم والأمراض.
في حين ركز علماء آخرون على نظرية ما يعرفُ بــ “لصوص البيض” حيث اتّجه أصحاب هذه النظرية إلى افتراض ظهور حيوان قارض في أواخر العصر الطباشيري، تغذّى على بيض الديناصورات بشكل كبير وسريع، ممّا أدّى إلى توقف تكاثرها، لكنَّ العديد من العلماء وجدوا صعوبةً في تقبل هذه النظرية، لكون الديناصورات المتأخرة في وثيرة الانقراض كانت هي الطائرة ، وهي الوحيدة التي تمكنت من البقاء على الأرض بعد انقراض العصر الطباشيري، إلا أنَّ ثمَّة إمكانيَّة في كون عددٍ صغيرٍ منها قد نجا لفترةٍ قصيرة بعد ذلك تقدر ببضعة آلالاف سنة ، واستمرَّ بالعيش في بقاعٍ جغرافيَّة مُنعزلة.

والواقع، أنه ليست ثمَّة الكثير من العلامات التي تدلُّ على حدوث هذا، حيث لا زال العديد من العُلماء يُشكِكون به، إلا أنَّ ثمة اكتشافاتٍ يُمكن أن تدعمه؛ خصوصا بعد أن عثر العلماء في تشكيلٍ صخريٍّ بولاية مونتانا الأمريكية على مستحثات ديناصوراتٍ ترتفع 1.3 متر عن الطبقة الصخريَّة التي يُفترض أن انقراض العصر الطباشيري حدثَ عندها، ممَّا يعني أنَّ بعض أنواع الديناصورات قد تكون عاشت حتى 40,0000 عامٍ بعد حدوث الانقراض الأساسيّ.على رُغم ذلك، يُمكن الردُّ بسهولةٍ على مثل هذه الاكتشافات بأنَّ العظام التي عثر عليها قد تغيَّر مكانها بفعل عوامل المناخ،والتراكم الجيولوجي والتعرية فنُقِلَت إلى طبقاتٍ صخريَّة حديثة هي في الحقيقة، لا تنتمي إليها.



