“بابا رمضان” شهر عبادة وعادات وآصالة وتقاليد بنفحات حميمية مغربية
محمد القنــــــور :
عدسة: محمد أيت يحي:
يمثل حلول شهر رمضان الأبرك، قمة المباهج لدى المغاربة، ليس لكونه شهر ذو دلالات دينية وروحية مرتبطة بالعبادة فحسب، ولكنه لكونه يرتبط بالعديد من الطقوس الإحتفالية اليومية التي تنعكس في الطبخ والزي والمسار اليومي للصائم المغربي، ويظهر مدى عمق الإحتفاء بشهر رمضان في نفوس المغاربة جليّا منذ الأيّام الأخيرة من شهر شعبان ، حين تبدأ استعداداتهم لاستقبال شهر الصوم في وقت مبكر، ومن تلك المظاهر تحضير بعض أنواع الحلوى والفطائر والعجائن الأكثر استهلاكًا، والأشد طلبًا على موائد الإفطار . .
وبمجرّد أن يتأكّد دخول الشهر حتى تنطلق ألسنة المغاربة مباشرة أو عبر الهواتف والبريد الإليكتروني بالتهنئات قائلين : ”عواشر مبروكة” وتعني العواشره الثلاثة لشهر الصوم : عشر الرحمة، وعشر المغفرة، وعشر العتق من النار. .
كما يتبادل المغاربة الأدعية والمباركات والتهاني فيما بينهم سرورًا بحلول الضيف الكريم الذي يغير حياة كثير من الناس تغييرًا كليًا . .
وكما هو معروف وشائع فإن رمضان يعدّ فرصة عظيمة لدى المغاربة الذين تربوا على الوسطية والإعتدال الديني، حيث لا إفراط ولاتفريط للتقارب والصلة بين الأرحام بعد الفراق والانقطاع ، فلا عجب أن ترى المحبة ومباهج الفرح والسرور تعلو وجوه الناس ، وتغير من تقاسيمها وتعابيرها بعد أن أثقلتها هموم الحياة . ، طيلة إحدى عشر شهرا.
ويستوقفنا التواجد الرمضاني الكثيف داخل المساجد ، حيث تمتليء المساجد الفيحاء والكبيرة كمسجد أهل فاس بالرباط ، ومسجد القرويين بفاس والمسجد الأعظم بمكناس ومسجد الكتبية بمراكش بالمصلين لا سيما صلاة التراويح وصلاة الجمعة ، إلى حدٍّ تكتظ الشوارع القريبة من المساجد بصفوف المصلين ، مما يشعرك بالارتباط الوثيق بين هذا الشعب وبين دينه وتمسّكه بقيمه ومبادئه.
هذا ، ويتابع معظم المثقفين والأكاديميين والباحثين المهتمين فضلا عن العديد من أبناء وبنات الشعب المغربي، فعاليات وحلقات الدروس الحسنية الرمضانية التي يترأسها عاهل البلاد جلالة الملك محمد السادس نصره الله ، وتشرف على إعداد مسالكها ومحاورها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بحضور كوكبة من العلماء والدعاة المشاهير بالعالم الإسلامي، وتلقى هذه الدروس اهتماما من الأفراد ، لما يلمسونه من أهميتها ومدى ارتباطها بواقعهم وإجابتها عن أسئلتهم الكونية، والمعاشية.
وتتحول ليالي رمضان عند المغاربة إلى نهار، تضيئه شموس اللقاءات والأماسي الحميمية بين الأفراد والعائلات فبعد أداء صلاة العشاء ومن ثمَّ أداء صلاة التراويح ، يسارع الناس إلى الاجتماع والالتقاء لتبادل أطراف الحديث . وهنا يبرز ” الشاي المغربي ” كأهم عنصر من العناصر التقليدية المتوارثة ، ويحكي المهتمون من أهل التاريخ عن عمق هذه العادة وأصالتها لدى الشعب المغربي ، وكيف تم تناقلها عبر الأجيال .
في حين ، تعمد بعض المدن الكبرى على غرار الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش والعيون وطنجة إلى إقامة الحفلات والسهرات العمومية في الشوارع والحارات ، ويستمر هذا السهر طويلا حتى وقت السحر..
ويكاد شهر رمضان يرتبط بمهن تقليدية عريقة، أبرزها مهنة النفار ، والغياط ، حيث يتبوأ النفارين والغياطة أعالي المئدنات ليؤثتان ليل الفضاء السمعي بالمدن العريقة، التي لاتزال تقدر الدور الجمالي والروحي الشجي لهؤلاء، وعلى الرغم من تطور وسائل الإيقاظ التي جاد بها العصر التكنولوجي والرقمي فإن ذلك لم ينل من مكانة النفارين والغياطة ، ولم يستطيع أن يبعدهم عن بؤرة الحدث الرمضاني ؛ وعن الحضور كل ليلة من ليالي رمضان في كل حومةّ وكل زقاق ، وإن كانت مهنة الطبال الموقظ للسحور والذي كان يطوف بين البيوت قارعا طبلته وقت السحر ، قد إنقرضت في معظم المدن المغربية.
وخلال ليالي رمضان ، عادة مايبقى المصلون بعد صلاة الفجر في المساجد لقراءة القرآن الكريم وتلاوة الأذكار الصباحية ، بينما يختار البعض الآخر أن يجلس مع أصحابه في أحاديث شيّقة لا تنتهي إلا عند طلوع الشمس ، عندها يذهب الجميع للخلود إلى النوم بعد طول السهر والتعب .
وتشكل الفترة ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر فتورًا ملحوظًا وملموسًا ، حيث تخلو الشوارع من المارة والباعة على حد سواء، لكن سرعان ما تدب الحياة في تلك الشوارع، وينشط الناس بعد دخول وقت العصر – خصوصا في الأسواق – لشراء المستلزمات الخاصة بالإفطار من حلويات الشباكية والمقروط وسلو والمعجنات والتمور وغيرها من المواد التموينية اليومية المهمة ، مما يسبب زحاما شديدا في المحلات التجارية وعند الباعة المتجولين .
. من جهة أخرى، يفضّل أكثر الناس الإفطار في البيوت ، إلا أن هذا لا يمنع من إقامة موائد الإفطار الجماعية في المساجد من قبل الأفراد والمؤسسات الخيرية لاسيما في المناطق النائية والقرى والدواوير، وبفضاءات الزوايا الدينية المنتشرة في عمق البادية المغربية.
وتأتي” الحريرة ” على قائمة طعام الإفطار لدرجة أنها صارت علامة على رمضان في المخيال الشعبي والجماعي المغربي ، وتعتبر الأكلة الرئيسة على مائدة الإفطار ، وهي عبارة عن حساء يمتزج فيه عدد من القطاني والتوابل تُقدّم في آنية تقليدية تسمّى ” الزلايف ؛ ويُضاف إلى ذلك ” الزلابية” والتمر والحليب والبيض ، والمقروط والمسمن الرغايف و الرزيزة او رزة القاضي، و ”البريوات” وهي فطائر على شكل مثلثات ، محشوة باللوز ومغمسة في العسل ، إضافة إلى باقي الفطائر التقليدية المغربية، التي تتربع الحلوى الشباكية على رأس لوائحها.
وتعتبر الحلوى الشباكية ، الحلوى الأكثر شهرة بالمغرب تصنع في كل البيوت، وتنحدر من الثرات المغربي الأصيل، إلى جانب ” سليلو” او “سلو” او “سفوف” حسب تسمية كل منطقة ، إضافة إلى “البطبوط” وهو رغيف صغير محشو حسب الرغبة باللحم المفروم أو الكبد او التونة والزيتون، يقدم بمعية الشاي المنعنع الأخضر.
وبسبب إنفتاح المغاربة على الضفة الشمالية من الأبيض المتوسط ، يعدون من أكثر الشعوب الإسلامية عشقا لـــ “البيتزا”،حيث يتفنون في تحضيرها بشكل يتفوقون فيه حتى على الإيطاليين ـ مبدعيها الأصليين، كما يفضل بعض الصائمين الإفطار باكل السمك المقلي الذي يعرف طلبا متزايدا خلال الشهر الكريم .
وغالبا ما يجتمع الأهل و الجيران و الأصحاب في جو ودي و أخوي و تجمعهم الصينية و الشاي المغربي حتى وقت العشاء ليذهب كل لحاله .
ويتمتع رمضان الشهر الكريم بمكانة رفيعة، ومنزلة عظيمة في نفوس المغاربة عمومًا، إلا أن البعض منهم يرى أن مظاهر الحياة الجديدة ومباهجها ومفاتنها، كالتلفاز والفضائيات وغير ذلك من الوسائل المستجدة، قد أخذت تلقي بظلالها على بركات هذا الشهر الكريم، وتفقده الكثير من روحانيته وتجلياته. ويعبر البعض – وخاصة الكبار منهم – عن هذا التحول بالقول: إن رمضان لم يعد يشكل بالنسبة لي ما كان يشكله من قبل.
والحق، أنه مع قرب انقضاء أيام هذا الشهر الكريم “بابا رمضان” تختلط مشاعر الحزن بالفرح ، الحزن بفراق هذه الأيام المباركة بما فيها من البركات ومن “دلائل الخيرات” ، والفرح بقدوم أيام العيد السعيد ، وبين هذه المشاعر المختلطة يظل لهذا الشهر أثره في النفوس والقلوب وقتاً طويلا.
في نفس السياق، يشكل شهر رمضان المبارك ، محطة مسرات لاتضاهى لدى الأطفال، حيث عادة ما يقوم الأهالي بتحفيز أطفالهم من غير البالغين ، ممن لم تصل بعد أحقية الصيام لديهم،على صيام يوم قصد تذوقهم حلاوة ووهج المشاركة بالصيام في شهر رمضان، و عادة يتم اختيار ليلة السابع والعشرين منه لأنها توافق ليلة القدر تفاؤلا وأملا في أن تكون ليلة تتحقق فيها كل الأمنيات للطفلة أو الطفل ، وفي طقوس جميلة ومغرية، تشبه إلى حد ما حفل “ثقب الأذنين “بالنسبة للطفلة أو “الختان” بالنسبة للطفل.
والواقع ، أن عملية الإحتفال بصيام اليوم الأول في حياة الطفل في شهر رمضان، هي عادة أندلسية جميلة تأصلت كعادة سارية في مختلف مدن الوطن .
ويتم إحياء هذه العادة كما سلفت الإشارة، في أغلب الأحيان في الليلة 27 من شهر رمضان الذي يصادف أول صيام للفتاة حيث يتم تهيئ حفل عائلي وتقوم (النكافة) بتزيين الفتاة كعروس صغيرة ولا ننسى ضرورة نقش الحنة في يد البنت ويُحتفى بها بوضعها في “البرزة” المزينة بالورود والياسمين أو تُحمل على العمّارية وتقدم لها قطعة نقدية من الذهب (كهدية للطفلة) تضعها في فمها ثم يقدم لها الحليب والتمر للإفطار. وبعد ذلك تستمر العائلة والأحباب في الاحتفال بهذه المناسبة على أنغام الجوق النسوي للموسيقى الأندلسية في مدن الشمال أو أهازيج اللعابات والهواريات وراقصات الكدرة في مدن الوسط والجنوب وتبرز العروسة الصغيرة الصائمة طيلة اليوم وهي ترتدي أبهى الثياب والحلي التي يتم وضعها بكيفية فنية متقنة تعكس فن التزيين واللباس لدى الأسر المغربية إذ تُعتبر “الشدة” أو التنكيفة” لدى العائلات التطوانية والفاسية أو اللبسة التقليدية العريقة ”التعشيقة” في مراكش والرباط كعادة عتيقة تهدف إلى توعية الفتاة بضرورة الاهتمام بمظهرها وزينتها وجسدها استعدادا لتمييزها كأنثى ومعرفة أن من بين خصال المرأة أن تكون على أفضل مظهر جمالي لها ولمن حولها.










