عبر برامج متنوعة وهادفة لفائدة الزوار المغاربة والسياح الأجانب ، إفتتحت الحديقة الوطنية للحيوانات بالرباط الموسم الجديد بالاحتفال بيوم عالمي للغابة.
وأوضح بلاغ للحديقة ، توصلت به “هاسبريس” أمس الثلاثاء، أنه تم تنظيم ورشة للرسم تحت شعار ”طبيعة وغابة” لفائدة الأطفال، كما تواصل الاحتفال في يوم أمس الثلاثاء من خلال ورشات تربوية تهدف إلى التحسيس بأهمية ودور الشجرة، وحملة لزرع الأشجار بالحديقة.
وتضم الحديقة الوطنية بالرباط منذ افتتاحها سنة 2012، قرابة 130 نوعا نباتيا ،من أشجار وأعشاب وحشائش ونباتات عطرية وطبية.
هذا، وقد ارتبطت حياة الانسان على الأرض منذ بدء الخليقة بالشجرة من خلال قصة آدم وحواء أم البشر والشجرة منذ القدم ، حظيت الشجرة باحترام الشعوب حظوة كبيرة بلغت حد التقديس ، ككائن حي يلازم الانسان في احتياجاته اليومية طوال الحياة وقد ذكر وصف الشجرة علاقتها بالانسان في كثير من المدونات القديمة والمؤلفات التراثية والكتب العلمية والبحثية وفي لغة الشعر والأدب .
كما أن أكثر الأديان السماوية كرمت الشجرة ، وأولها القرآن الكريم ومن الطريف أنه حتى يومنا هذا مازال الناس تدق على الخشب طردا للشر وابعادا للحسد مما يشير إلى دور الأشجار الروحي والسيكولوجي، وماله من تأثيرات نفسانية وذوقية على الانسان في مختلف بقاع العالم .
ثم إن الشجرة تلازم الانسان من خلال انتاجها لأكثر من عشرة آلاف مادة خصصت لاستعمالاته المتنوعة واحتياجاته اليومية المتعددة فبعد أن عاش الانسان وتعايش مع الشجرة ، وتفيأ بظلها وتسلق أغصانها خوفا من مخاطر الليل عليه ، وأكل من ثمارها وتباهى من علوها وتملى في زهورها وجمالها وتمتع بنسمات منعشة في غاباتها ، فإنه بالمقابل إستفاد من أخشابها ، وقودا وأثاثا ، تجهيزات وأدوات ، حيث ظل الخشب مصدرا لمنتجات يصعب حصرها ، وعلى الرغم من ظهور مواد صناعية منافسة للخشب كاللدائن والبلاستيكـ ، فإن الخشب كمادة إحتفظت عبر الأيام بصيتها الجمالي وعبق أصالتها المعيشية ، وزهوه أثناء البناء والأثاث وكأعمدة المناجم والجسور والقوارب والحوامات ومدارج الطائرات المائية وألواح البناء.
وللخشب علاقة وطيدة بالفكر الإنساني والعلوم والآداب والفنون ، حيث يعتبر المادة الخام لصناعة الورق والورق المقوى والسيلوفان والأفلام الفوتوغرافية والأقلام الرصاصية وطاولات الدراسات ورفوف المكتبات والمعطرات الصناعية .
كما أن الخشب هو الوقود الأول والأصلي للإنسان ، فمنذ أقدم القرون لايزال يستمعل كمادة رئيسية للتدفئة في معظم أرجاء العالم ، ولايزال يمتلك قوة عالية مقارنة بوزنه وعازلا للحرارة والكهرباء ويحتوي مادة السللوز وهي المادة الأساسية لانتاج أكثر من المركبات الكيماوية .
وتكاد تخرج حالات الشجرة عن كل تحديدا الزمن والمكان ، مع إحترامي للغابات والحدائق والمروج والأحراش ، إذ يتمتع بها الانسان في حالة خضرتها وعطائها وفي حال قطافها وإزهرارها وأثناء خصوبتها وجفافها .
فهي كما وصف خالقها عز جلاله أصلها ثابت وفرعها في السماء ، في كناية جميلة عن الكلمة الطيبة .
وللشجرة دور كبير من النواحي البيئية حيث أن قلة عددها في أي منطقة يؤدي الى خلل في التوازن البيئي في تلك المنطقة على الرغم من أن لكل شجرة هويتها وذاكرتها و وجودها في المكان والحياة ، وقد لاتعتبر الشجرة الوحيدة المنعزلة مفيدة للبيئة بشكل عام إلا أنها متى كانت بالقرب من شقيقتها وأخواتها في الشكل أو في المضمون ، تتقوى وتفرض كلمتها الطيبة لتشكل مناخا مصغرا يؤثر على الوسط المحيط ايجابيا في حماية البيئة ،و تقليل التلوث حيث تعمل النباتات على زيادة الأوكسجين في الجو الذي هو بداية السلسلة الغذائية لجميع الكائنات الحية من خلال عملية التمثيل الضوئي وامتصاص غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي يعتبر من أهم مسببات التلوث ، وفي تلطيف الجو عن طريق عملية النتح وتحسين المناخ فوجود النبات والأشجار في مكان يؤدي الى خفض درجات الحرارة خاصة في فصل الصيف ، وتخفيف وهج الشمس ، وتقنين سلطة أشعتها ، وامتصاص الاصوات والتخفيف من حدة الضوضاء في الأماكن المزدحمة ، وايقاف زحف الرمال والحد من ظاهرة التصحر ، وحماية التربة والحد من مشكلة تعرية التربة وانجرافها بفعل عوامل التعرية كالرياح والمياه القوية ، وحماية المدن من الرياح الشديدة وكسر حدتها فالشجرة المتوسطة ، لكون الشجرة تمتص يوميا 107كغ من ثاني أوكسيد الكربون وتنتج يوميا 140 ليترا من الأوكسجين .
وقد حدثني أحد الخبراء البيئيين المغاربة ، أن إزالة التأثيرات الملوثة لسيارة واحدة ، يتطلب زراعة 7 أشجار ، وإضافة لفوائد الاشجار في امتصاص ثاني أوكسيد الكربون و تعمل هذه الكائنات الجميلة على تقليل سرعة الهواء المحمل بالأتربة ، الذي نسميه “العجاج” مما يؤدي الى ترسيب الملوثات العالقة بالجو فيصبح الهواء نقيا .
هذا وتعتبر إدارة الغابات والأشجار على نحو مستدام عاملا رئيسيا في إدارة الموارد المائية حيث أن الغابات تنظم نوعية المياه وتحمي التربة من الإنجراف ، كما تسهم في تخصيب التربة وتوجيه الجريان السطحي للمياه ولاننسى أن الغابة المتنوعة تعتبر ملجأ لعشرات الأنواع من الحيوانات الضرورية للتوازن البيئي من يرقات وحشرات صغيرة وزواحف وطيور، وتسهم في تحسين نوع حياة سكان المدن الكبيرة الصاخبة ،المتعطشين للراحة والاحتكاك بالطبيعة وللاستجمام والتمتع بالمناظر الجميلة.
والحق، أن لثقافة غرس الاشجار أهمية بالغة في حياة الفرد والمجتمعات ، فهي دليل على النماء والمسرات ، ورمزا للقدرة والكرامة ، وإيقونة لتعطير المنظر الجميل وما يخدم الإنسان بما تجود به من ثمار وأخشاب ، من ظلال وارفة ومن أعشاش طيور وإستراحة نفوس .
وقد كان المغاربة من الشعوب القليلة التي إحترمت الأشجار، ورفعتها لمكانة الأرواح، فعرفوا دورها في الحفاظ على الغطاء النباتي والشجرة، ودافع في عصرنا الحديث الكثير من علماء البيئة من المغاربة والخبراء والأكاديميين والفاعلين الجمعويين والتربويين عدم تعويض “غابات الله” بغابات الإسمنت ، وبناء هياكل العمارات على حساب الأراضي الزراعية ، فأقاموا حملات تأسيسية وأخرى تحسيسية لعمليات التشجير، من البلديات والمدارس ومن الجماعات القروية والمعاهد والمراكز التنموية والجامعات والجمعيات والمساجد والمؤسسات، وإحتفلوا بعيد الشجرة قبل أن يكون عيدا أمميا، بعيد الشجرة والاحتفال به، ودعوا إلى عدم اهمال التربة الزراعية والاستفادة منها قدر الامكان ، وشجبوا قطع الاشجار أو حرقها ، وعرفوا منذ قرون في واحات فيكيك والراشيدية ، في طاطا وأرفود، وفي حاحا والشياظمة ، وفي سوس وبئر أنزران والعيون أن الأشجار تثبت الكثبان الرملية ، وتمنعها من الزحف نحو المنازل والأحلام والأسواق والمنجزات والأفكار والمدن والمكتسبات والمداشر .
ولعل اختيار النباتات الملائمة مع البيئة المحلية من أبرز عوامل نجاح عمليات التشجير داخل المدن المغربية ، ومايفرضه من اتباع المعايير والضوابط العلمية للتشجير في الشوارع على الأرصفة وفي الأماكن القاحلة وأمام المحلات التجارية والمنازل ومن أهم المقترحات الفنية لتطوير العمل في القرى والبلديات فيما يتعلق بالاعتماد على المعايير والضوابط العلمية في عمليات التشجير، إزالة معوقات الرؤيا مثل الأشجار واللوحات الإرشادية عند التقاطعات والإشارات الضوئية والاكتفاء بالمسطحات الخضراء والنباتات القليلة الارتفاع في هذه المناطق . أما الأبعاد بين المنعطف والإشارة والتقاطع وبداية التشجير يجب الاتفاق عليها ، وهذا لن يتحقق إلا بإجراء دراسة ميدانية على أن تساهم الجماعات الترابية مع المسؤولين عن السير في المرور للخروج بدراسة واقعية لحل جذري لمثل هذه المعوقات وذلك للحصول على تشجير يساهم في جمالية المدن المغربية ويساهم في حفظ وسلامة الأرواح البريئة ويقلل من تلك الحوادث التي عادة ماتعانق خلالها السيارات والشاحنات ، نخيل الشوارع وأشجار الحياة .
وقد تنبهت العديد من المجالس الجماعية داخل المدن إلى أهمية الأشجار والحياة الإيكولوجية، فعمدت إلى وضع الحدائق الصغيرة والمثلثات النباتية وأحواض الورود والأزاهير على الأرصفة ، وأعادت أحيانا توزيعها بما يسهل مرور المشاة وخاصة على أرصفة الشوارع وسط المدن ذات الكثافة العالية للراجلين وأصحاب الدراجات النارية والهوائية كمراكش ، وإن كانت مثل هذه العمليات لاتزال تواجهها عراقيل عديدة تبرز في صعوبة الري والصيانة الزراعية المختلفة ، خصوصا على مستوى الشوارع الضيقة والأخرى الفرعية ، وبات معظم أصحاب المحلات التجارية ووداديات الأحياء يعون ما للتشجير من دور بيئي وصحي ، وماله من تداعيات إيجابية على البلاد والعباد أما بخصوص التشجير في الشوارع الفرعية فمن واقع التجربة ، أن هناك نسبة كبيرة من المواطنين يرغبون في التشجير أمام منازلهم وعمارات شقق سكناهم .
وقد وعى هؤلاء أنه عندما تكبر أشجارهم، تكبر معها فرحتهم ، وإن كانت معظم هذه الأشجار تحتاج للتشذيب والتجميل، عن طريق عمليات القص حتى تظل أنيقة ومتمدنة، وتنأى عن أشجار الأحراش والأدغال ، وحتى تؤدي إلى كشف البيوت والشقق أمام أشعة الشمس .
ولا يختلف إثنان ، في كون تطبيق الأساليب الحديثة للري خصوصا التنقيط بحدائق الطرقات والشوارع وفضاءات التجزئات السكنية ، أساسي وناجع لما فيه من حفاظ على الثروة المائية المغربية، حيث أن هذه التقنية تمد الأرض بالرطوبة اللازمة لنمو الأشجار والنبات دون إهدار المياه فيما لا طائل تحته ، وتؤمن للنباتات أمانا من الجفاف واليباس خلال فترات الصيف وأثناء مدة الجفاف القصيرة ، والقطع مع الري التقليدي أو السطحي الذي يعتقد العديد أنه من الطرق الجيدة .
وعليه ، فإن الري بالتنقيط ، يظل الأنجع والأحسن ، على أن تكون الأنابيب مزدوجة من الداخل، حتى لاتغلق تلك الفتحات الصغيرة التي يخرج منها الماء في الري بالتنقيط بالأملاح أو بحبيبات التربة أو مخلفات الحشائش اليابسة ، فلايكون للعملية جدوى ، إذ يتم الري من خلال الفتحات باستعمال أنبوبتين واحدة داخل الأخرى يخرج ماء الري منها نتيجة لفروقات ضغط الماء داخل هذين الأنبوبين .