استعيد كلمة سرك.
A password will be e-mailed to you.

أَصبَح مَحجُوب يُنادَى علَيه فِي مَسقِط الرّأس بِالشّيخ،زَاده بَياضُ شَعر لِحيتِه المَسدُول وقَارًا،بنَى لِنفسِه مصطَبةَ إستِراحَة المُحارِب،جَعلهَا مُتاخِمة لِبيتِه مِن الجِهةِ الشّرقيّة ، تُطلّ علَيهَا مِئذَنَة لَم يَكتَمل جَامُورُها بَعد ، لَكنّها تُذكّره علَى مدَار السّاعة بِندَاء السّماء يَقضِي النّهار جَالسًا علَى مصطَبتِه ، يُرافقُه مِذيَاع مُتنقّل بِأربَع بطّاريّات ، وَرُبع دَزينَة مِن سَجائِر سَودَاء حَارّة المَذَاق ، يَشُدّاه معاً إلَى تَتبّع أخبَار آلاَم فِي مُستنقَعاتِ الفِيتنَام وَأدغَال إفرِيقيَا وَرعبِ الخَنادِق المَسكُونَة بِالموت والأشبَاح،وَيُعيدَاه إلَى حَاضِر يَقضّ مَضجَعَه،يُذكّرهُ بِإبنِه صَالِح المَقبُور دَاخِل أَنفَاق مَناجِم جِبالِ الأَلبِ ALPESالمُمتدّة، يَتنفّس غُبَار صُخورِها الفَحميّة، يَتمرّغ مِن أَنينِ سِياطِ نَفسِ الجلاّد الّذي زُجّ فِي حرُوبٍ لاَ تَعنِيه.
إستَشعرَ الشّيخُ محجُوب معَ مُرورِ الأَيّام،أنّ إستقرَارَه فِي مَسقِط رَأسِه هُو وِلادَة جَديدَة، القَريَة بِالنّسبَة إلَيه فِردَوسُه المَفقُود،الّذي طَالَما نَسجَ مَعالِمه فِي خَيالِه أَمامَ تَحدّياتِ المَوتِ فِي حُرُوب مَلعُونَة.خَامَرتهُ مَشاعِر وَاعدَة ، تُذكّره مِن جَديدٍ بِإبنِه صَالح. بَدأَت بَوادِر مشرُوعٍ تُحيِي آمالَه فِيه.جلَس علَى كُرسِيّ عرِيضٍ يُشبِه أرِيكَة شِبهَ مُتدَاعيَة لاَ تُثيرُ الإنتِبَاه ،إستَعانَ بِمخَدّة حمَى بِها نُتوءَاتِ عَمُودِه الفقَريّ المَعطُوب،أخَذ يُداعِب بأنَاملِه عُلبَة سجَائِره،لاَحَت بشَائِر المَشرُوع تتَوارَدُ تبَاعًا، إستَقامَ فِي جلسَتِه ، عدّل قَليلاً مِن تَموضُع كُرسيّه ، قَالَ بصَوتٍ حَازِم، لَقد دقّت سَاعَة الحَقيقَة يَا محجُوب … دقّت سَاعَة إبنِك صَالِح .تَخَلّص مِن عَقبِ سِيجارَة بَقِيت عَالِقة بَينَ شفَتَيه ، نَادَى علَى زَوجَتهِ إزّة، نَفضَت يدَيهَا مِن بَقايَا دقِيقٍ هُو فِي طَريقٍ ليصِيرَعَجِيناً، نَطّت مِن مَكانِها حَاملَة عِتاباً معَها ، قَائلَة: ألَم تُدرِك بَعدُ،هذَا السّمّ الّذي تدَخّن سيَقتُلكَ يومًا مَا؟ قَالَ لَها الشّيخُ مَحجُوب،اترُكينَا الآن يَا إمرَأةُ مِن القَتل إجلسِي إلَى جَانِبي،فهذَا المَكانُ يسعُنَا معاً،عِندِي حَديثٌ لَك،تَجمّدت أُمّ صالِح فِي مكَانِها دُون أن تَنبِس بكَلمَة وَاحدَة ، لَم يَسبِق لِزوجِها أَن طلَبهَا لِيُحدّثهَا رأساً لِرأسٍ، تَنازعَتهَا مجمُوعَة مِن الهَواجِس هِي إمرَأة دَأبَت علَى حَياةٍ خَاصّة بِها،لاَ تَرغبُ مَن يُشارِكها فِيها. الضّرّة تَبقَى ضرّة .قرَأ الشّيخُ مَحجُوب بِسُرعةٍ فائِقةٍ أنّ شَيئاً مَا علَى غَيرِ العَادَة يُخالِجُها،إعتَرفَ فِي قَرارِه ،أنّها إستَطاعَت بِصبرِها وإنتِظَارِها لِسنَواتٍ طوَال ،أَن تَهزِم جُيوش الحُلفَاء،وإنتِزاعِ عُنقِه مِن مفَاصِل المَوتِ بإيمَانِه بِعودَته،إنّها رَفيقَة عُمر فَوق العَادة،طَمأنَها بِنظرَات دَافئَة،أخَذ يُحدّثها بِرفقٍ عَن ذِكرَياتِ ليلَة زِفافِهمَا، كَيفَ إنتَشلُوه مِن بينِ أحضَانِها،إلَى جَبهَة القِتالِ قبلَ الفَجرِ دُون أَن يَترُكوا لَه فُرصةً لإقَامَة صَلاتِه،أَخبرُوه بَعد أَن أصبَح فِي السّماءِ،سَيُحارِب جنباً الَى جنبٍ معَ جيشِ الحُلفَاء ولاَ وقتَ لمزِيد مِن المَعلُومَات،إغرَورَقَت عَينَا إزّة بدُموعٍ صَامتَة،حَديثُه لهَا أيقَظ جُرحاً غائِراً في أعمَاقِها،تَذكّرت إبنَها صَالح وَحيدَها، إنشَغلَ عنهَا الشّيخ مَحجُوب بِحشرَجَة مُفاجِئة،تَنتَابُه كلّما رَاكَم دُخّان سِجارَة دَاخِل جُيُوبه الأَنفيّة،حَاوَل كَبحَ جِماحَها بَعد أَن خَلخلَت قَفصَ صَدرِه كَدُفّ تَشبّع بِرُطوبَة عَملَت علَى إستِرخَاء وَترَيهِ،مَكثَت إزّة فِي مكَانِها يُرافِقها إنتِظارٌ مُتوجّس،طلَب منهَا الشّيخُ محجُوب أَن تقتَربَ منهُ قائلاً : “الحِيطانُ لهَا آذَان” لَملَمت شَتاتَ تخمِيناتِها،تَصفّد عَرقٌ تائِه مَلامِح وجهِها،كلّ شيءٍ مُمكِن أَن يَتحوّل إلَى مُفاجَأة ، فِطرتُها علّمتهَا أَنّ المُفاجآت تَبقَى مُفاجَآت وَإِن إختَلفَت ،إنتَبهَ الشّيخُ محجُوبُ أنّ مَعركةً حامِيةً لاَ تزالُ تجرِي وَقائعُها بَينَ قلبِها وعَقلِها ، قَال لَها بَعدَ أن ذكّرهَا أنّ” للحِيطَان آذَانٌ” سيصِلُ إبنُنا صَالِح قرِيباً في إجَازة بَعد طُول إنتِظار، تهلّل وجهُ إزّة: إندثَر ما كَان يُقلقُلها ،إستَطردَ الشّيخُ محجُوب : سَيكُون فِي حاجَة إلَى إمرَأة … سَنُزوّجه … عندِي لهُ إمرَأة، هِي مِن قَريتِنا، نطّت إزّة من هَول المُفاجأَة كَغزَال رِيم لاَ تسَعُها واحَات ورِمالُ صحَاري الأَرض ومَا ورَاءها،صَدحَت بزَغرَداتٍ من دَاخِل أعمَاقِها،إختَرقَت آذان حِيطان زَوجِها،هبّت ريحٌ صاحِيةٌ لا تَزالُ تحتفِظ بطَراوَة نَسيمِ فصلِ الرّبيعِ، تحملُ أصوَات فتية لأَطفَال القَريَة.إهتَزّ رتَاج البَاب ،تَوالَت عَليهِ ضربَات وَضربَات، رَجعَ صالِح … وصَل صالِح … كَان العنَاق ، كَانت الدّموعُ … وكَانت الفَرحةُ حَاضِرة.