زقاق الشعراء بمراكش مجاورة لعبير الزهر بصوت الفكر

 مـحـمـد الـقـــنــور :

في أجواء احتفالية بمؤسسة “مدينة إيريتاج” في زقاق الشعراء في حي القصور بمراكش العتيقة، وبحضور العديد من الجهات الأكاديمية والأساتذة الجامعيين وخبراء التراث المادي والغير المادي ورجال ونساء الأعمال، وممثلي الدوائر الرسمية، وبعض المنتخبين والمنتخبات، وأطر القطاعات الثقافية والجهات التربوية، والعديد من أطر المؤسسات الاقتصادية والمصالح التربوية والاهتمامات الاجتماعية، والفنانين التعبيريين والتشكيليين، وأرباب الحرف والصنائع الفنية، والصحافيين من ممثلي المنابر الإعلامية البصرية والسمعية والورقية والإليكترونية والطلبة الباحثين من مختلف كليات جامعة القاضي عياض، وفي سياق فعاليات الدورة الرابعة عشرة لموسم تقطير ماء الزهر المنظم من طرف جمعية منية مراكش بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل و المجلس الجماعي لمراكش ومجلس جهة مراكش آسفي،نُظم لقاء علمي فكري تواصلي، وذلكــ موازاة مع عملية تقطير الزهرمن طرف النساء المراكشيات الخبيرات في هذا المجال، قصد تثمين أحياء مراكش العتيقة، وزقاق الشعراء بحي القصور نموذجا ، قدمه الأستاذ جعفر الكنسوسي، قيم دورة الزهرية، والخبير الأكاديمي في قضايا التراث المادي والغير المادي، حيث تناول كل من الأستاذ عبد العزيز بلقزيز المهندس المعماري المختص في مجالات ترميم المباني العتيقة، وأحد العاملين المعروفين في المشروع الملكي لمراكش الحاضرة المتجددة و الأستاذ المهدي الكنسوسي المهتم بالتراثيات والمحقق في قضايا التاريخ.

كما قدم الأستاذ جعفر الكنسوسي، قيم دورة الزهرية وخبير التراث المادي والغير المادي، الإطار العام للقاء، مؤكّدًا أن الزهرية ليست مجرد طقس موسمي، بل مشروع ثقافي متكامل يجمع بين الذاكرة والهوية والوعي المجتمعي بأهمية التراث المغربي، وتتوحد بداخلها منصات ممارسات وطقوس التقطير الحضرية بمراكش مع الدلالات البيئية والرسائل التاريخية.

وذكر الأستاذ جعفر الكنسوسي، أن الجمع من طرف منظمي الزهرية بين عملية تقطير “عطر الزهر” التي قامت وتقوم بها النساء المحترفات، على مدى أسابيع إحتفاليات الزهرية بمختلف فضاءات مراكش الخاصة والعامة، وبين النقاش العلمي والحوار الثقافي الأكاديمي حول العمران وخطط مدينة مراكش العريقة، وتراثها المادي، منح زهرية مراكش منذ تأسيسها قبل أربعة عشر سنة” 14 سنة”، طابعًا مزدوجًا يجمع بين الحسّ العملي والوعي الإجتماعي والبيئي والتواصل الفكري والمعرفي.

هذا، وشدد الكنسوسي على أن أمسية الإحتفالية المعنية ليست مجرد استعادة لطقوس تقطير الزهر التي قدمتها كل من السيدتان رجاء الكرماعي، وفوزية القباج،من رائدات النساء المراكشيات، بل هو مناسبة لإطلاق نقاش فكري حول تثمين أحياء المدينة العتيقة، واتخاذ زقاق الشعراء ” منطقة فحل الزفريتي و”سبع تلاوي” نموذجًا حيًا لهذا التوجه في أفق إحياء الفضاءات التاريخية: مثل زقاق الشعراء ورياضات المدينة العتيقة، باعتبارها مسرحًا حيًا للذاكرة الجماعية. وتسجيل وتوثيق التراث من خلال إدراج الزهرية ضمن قوائم التراث الثقافي العالمي الغير المادي، وتوثيق مراحلها بالكتابة والصوت والصورة.

في ذات السياق، أبرز الأستاذ سليمان جدي، مدير مؤسسة “مدينة إيريتاج” Medina Heritage أن إنخراط مؤسسته في محفل الزهرية الثراثي والبيئي والثقافي الإجتماعي يروم توجه المؤسسة في الحفاظ على الطقوس الأصلية، ودعم استمرار النساء المراكشيات في تقطير ماء الزهر بالطرق التقليدية، مع نقل الخبرة للأجيال الجديدة عبر الورشات التكوينية.

وأوضح جدي أن تثمين زهرية مراكش 2026 لا يعني فقط الاحتفاء بموسم تقطير ماء الزهر، بل هو مشروع ثقافي واجتماعي متكامل يربط بين التراث الالمراكشي التليد والوعي البيئي الجماعي، مشيرا أن عملية التثمين هنا تقوم على ثلاثة مستويات مترابطة، التراث والبيئة والتاريخ الإجتماعي بمراكش.

وخلال عرضه المدعوم بالصور والمعطيات والإحصائيات، قدم الأستاذ عبد العزيز بلقزيز، المهندس المعماري المعروف بمشاركاته في المشروع الملكي لمراكش الحاضرة المتجددة ، تناول أهمية ترميم المباني العتيقة باعتبارها جزءًا من هوية المدينة وذاكرتها الجماعية، مشيرا أن “ترميم الأحياء القديمة ليس مجرد إصلاح عمراني، بل هو إعادة الحياة لذاكرة المدينة، وإحياء لروحها التي تسكن في تفاصيل الجدران وتتكلم من خلال الأقواس والدروب والصابات وأركان الزوايا، والقباب، والسطوح والممرات.

وأبرز المهندس بلقزيز أن ترميم المدن والمباني العتيقة يتم علميا وفق المعايير الدولية المعتمدة، ويقوم أساسًا على العودة لاستخدام المواد الأصلية التي بُنيت بها، على غرار الأجور، و الحجر المحلي، والطين المدكوك أو الجير المطفأ المخمر وفق الشروط التاريخية لمهنة الجيارة، وإعتماد الأخشاب التقليدية، والمعادن الطبيعية، مع احترام التقنيات التقليدية المتوارثة للحرفيين، لضمان الحفاظ على الهوية المعمارية والانسجام التاريخي مع روح المدينة نفسها،

وأفاد عبد العزيز بلقزيز، أن صابات دروب “زقاق الشعراء” بحي القصور المراكشي، تتميز في نمطها المعماري بكونها مقوسة السقوف على خلاف صابات الأحياء العتيقة المراكشية الأخرى، في روض الزيتون وأسوال والقنارية والمواسين وزاوية لحضر، وحي الزاوية العباسية وقاع المشرع وغيرها ، وهو ما يجعلها نموذجا معماريا فريدا من نوعه في تاريخ معمار الحواضر الإسلامية.

كما أكــد بلقزيز المهندس الخبير المعماري، أن أهمية التوثيق أساسية قبل الترميم، حيث تمكن المهندس من دراسة المبنى وتوثيق حالته الأصلية بالصور والرسومات، مع تحليل الأضرار والأسباب قبل التدخل، مشيرا أن خطوات عملية الترميم تقتضي التشخيص الفني والمعماري، وتحديد الأضرار بدقة على غرار حصر مستوى تشققات الجدارات، وتآكل الأخشاب ومستوى تسوسها، و الإطلاع على درجات رطوبة، قبل إعداد خطة للترميم من خلال إتباع منهجية تلتزمُ بإحترام المواد الأصلية وتحديد وقت ومراحل التنفيذ، والعمل على إزالة العناصر المضافة حديثًا والغير المتوافقة مع البناء الأصلي، حيث ذكر أن المباني العتيقة التي اختلط فيها البناء الحديث القائم على الخرسانات مع البناء الأصلي العريق كانت هي المباني الأكثر تضررا من زلزال الحوز ليوم الجمعة 8 سبتمبر 2023 على الساعة 11:11 ليلاً، والذي سجل بقوة 6.8 درجات على مقياس ريشتر..

ودعا بلقزيز إلى أهمية إعادة بناء الأجزاء المتضررة بنفس المواد التقليدية، ومعالجة الأرضيات والأسقف بالطرق القديمة، ومراقبة الجودة من خلال متابعة دقيقة لضمان مطابقة المواد والتقنيات الأصلية.

من جهته، ركز الأستاذ المهدي الكنسوسي، الباحث في التراثيات والمحقق في قضايا التاريخ بمراكش، على الأبعاد التاريخية والعمرانية، والروحية لحي القصور، المرتبط بالقطب الصوفي سيدي عبد الله الغزواني، “مول القصور” أحد رجالات مراكش السبعة، الرمزي للزهرية، مبرزا أسرار تسميته الشعبية لدى العامة، ومعضدا العمق التاريخي لحي القصور، وعلاقاته بمحيطه الخارجي، ومسارات عمرانه عبر العقود ومع توالي القرون، وطبيعة الأسر التي قطنته، والأعلام الذين سكنوه عبر الفترات التاريخية المتعددة، ودور الحي في المساهمة في إثراء تاريخ المدينة العلمي والفقهي والإداري والثقافي والاجتماعي حيث ظل “زقاق الشعراء” المعروف لدى العامة بــ” سبع تلاوي” في فحل الزفريتي  يشكل نموذجا  حيا وذاكرة نابضة تحتاج إلى إعادة الاعتبار عبر مشاريع ترميم وتثمين، ليصبح نموذجًا يحتذى في باقي أحياء المدينة العتيقة.

وأشار الكنسوسي ، أن سيدي عبد الله الغزواني، المعروف لدى المراكشيين بـ “مول القصور”، يُعد واحدًا من الرجال السبعة لمراكش الذين يمثلون أقطابًا صوفية وروحية ارتبطت بهم المدينة عبر قرون، وأن مكانته الروحية جعلت من ضريحه في حي القصور ملتقى النفوس والقلوب والأفراح والمواسم ، ونقطة إشعاع ديني واجتماعي، ومن هنا جاءت تسمية الحي تيمنا بمكرمته الصوفية الجودية ، ودفعه للناس من أجل شراء قصور الجنة عبر الصدقات والكرم والإيثار في أعلى عليين عند الملك المقتدر، الله جل جلاله.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.