تقدم عرصة مولاي عبد السلام بمراكش اليوم نقسها كــ”حديقة ” متجددة ، كفضاء أخضر مخصص للراحة ولاكتشاف أحدث تكنولوجيات الإتصال المعلوماتي، بفضل تواجد مقهى ”سيبيرنيتيكي” بداخلها، يمكن من اكتساب المعرفة عن طريق الوسائل الجديدة للإعلام الرقمي، ونتيجة استرجاعها لجماليتها القديمة، واستشرافها للمستقبل، وإستحضار عبقرية الأجداد وغنى تراثهم ومدى إلمامهم بفنون الحدائق، وهو الفن الذي هاجر مع الدفعات الأولى من العرب والموريسكيين ممن نزحوا للضفة المغربية، خوفا على أرواحهم وأموالهم من سطوة محاكم التفتبش الإسبانية.
وتوفر عرصة مولاي عبد السلام التي تستمد إسمها من الأمير مولاي عبد السلام،إبن السلطان العلوي محمد الثالث،الشهير بسيدي محمد بن عبد الله والذي عرف من خلال الكتابات التأريخية بكونه أميرا ذا شخصية منفتحة ودبلوماسي وشاعر وأحد أهم مثقفي القرن الثامن عشر بالمغرب من خلال إسهاماته المتعددة في تراث العربي والمغربي الثقافي،حيث رغم كون هذا الأمير كان مكفوفا، فإنه إستطاع أن يتجاوز محنة فقده للبصر بمؤاخاة مجموع أحاسيسه الوارفة مع سيمفونيات الطبيعة. إلى ذلك، توفر عرصة مولاي عبد السلام في مراكش إمكانيات متنوعة للزوار من أجل نزهة مميزة عبر الزمان والمكان. وبالنظر إلى موقع مؤسسها وحنكته وشغفه بجمال الطبيعة، وجاذبية فن العرصات الذي يعتبر من خلالها مرجعا جماليا في مجال الحدائق. إن عرصة مولاي عبد السلام بمراكش لا تتميز فقط بجماليتها كحديقة، بل أصبحت تجسد التزام المغرب بالعمل على حماية البيئة وبعزمه على إنجاح التمازج المتناسق بين تقاليده وتكنولوجيات عالم اليوم. ومع مرور الزمن، وبعد إهمال تدريجي أدى إلى غمرها بالنباتات العشوائية، وتحويلها من عرصة إلى أدغال. وفي غياب الوثائق والتصاميم فإن تحليل الأشجار هو الذي مكن من الوقوف على الهيكل العام المكون من حديقتين متقابلتين: الأولى “العرصة”، حديقة معاشية وترفيهية للأمير مولاي عبد السلام، مغروسة بأشجار الزيتون المعمرة أحيانا لثلاثة قرون والنباتات المحلية، والثانية عبارة عن أشجار مصففة بدقة ترجع إلى عهد الحماية تم استجلابها من خارج المملكة.
أشغال تهيئة وترتبات محيط
هذا، وتضم عرصة مولاي عبد السلام ، بوصفها حديقة مفتوحة على العالم عدة مطارف تفاعلية منصبة على طول الممرات. كما توفر بفضل ممراتها الواسعة ومسالكها الصغيرة الظليلة، نزهة ممتعة وسط النباتات والأزهار. كما تمكن الأكشاك الصغيرة من توفير لحظات للراحة والإستجمام للزائرين. ويقدم الجزء من الفضاء المزين بأحواض الماء، كرياض أدخلت عليه مسحة من المعاصرة، تشكيلة طليقة ومعاصرة. كما أصبحت العرصة تتميز بطابعها التنشيطي وتواجد مدرج لفن “الحلقة” المعروف منذ القدم بحكايات ألف ليلة وليلة، حيث يمكنه احتضان العروض المسرحية والموسيقية والسينمائية، وإن كان لم يعرف هذا لحدود كتابة هذه الأسطر . إلى ذلك فقد إستمرت مدة الأشغال بعرصة مولاي عبد السلام في مراكش 17 شهرا على نطاق مساحة: 8 هكتارات منها 15.000 متر مربع من العشب و13000 متر مربع من المماشي المحفوفة بالطوب المُحْمي في الحديقة العصرية و500 متر مربع من الممرات المعبأة بالتراب بالجناح الخاص بالعرصة، و450 شجرة مشذبة ومنظفة، 150 شجرة وشجيرات. 200 نخلة و500 من الأشجار والأدغال، 3200 من النباتات الوريقة، 12.500 نقلة نباتية شجرية، 680 شجرة من البرتقال والليمون والزيتون،10.000 بينيستوم، 16.000 نقلة لتغطية الأرض، وإنجاز نظام للري بالتنقيط والرش بالحديقة العصرية ومحوري بالحديقة المعاشية. وتتوفر عرصة مولاي عبد السلام على ساحة متعددة الوسائط تأوي عدة مواقع للإبحار في الأنترنيت وألعاب الفيديو للكبار والصغار، وفضاء تكويني موضوع رهن إشارة الصغار، وفضاء التنشيط الذي يضم قاعة للعروض مكون من هياكل خفيفة وشفافة، تمكن الزائر وهو بداخلها من اكتشاف آفاق العرصة والولوج إليها بمجرد قطع خطوات قليلة، وفضاء للقاء والتظاهرات الثقافية، في إطار خاص وسط المدينة، وعملا منها على تأمين إطار ممتع للعيش لفائدة المواطنين، كانت صاحبة السمو الملكي الأميرة للاحسناء، رئيسة مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، وراء مبادرة استصلاح عرصة مولاي عبد السلام التي كانت تعرف فيما مضى إقبالا منقطع النظير من طرف العموم، وبفضل الجهود المتضافرة لكل الشركاء، أصبحت عرصة مولاي عبد السلام، بعد استصلاحها، مفتوحة كفضاء للترفيه ، حيث يمزج الفضاء الأخضر الرائع بصورة متناسقة بين تقاليدنا وتراثنا الطبيعي والتكنولوجيات الحديثة للإعلام الضروري للإنفتاح على العالم واستشراف المستقبل، الذي يجسد مغرب اليوم في متانة جذوره وقوة إبداعه وروعة سلاسته.
حديقة للذاكرة وإسم لأمير
تعيد عرصة مولاي عبد السلام،من خلال إسمها، وكل تفاصيلها ذكرى الأمير مولاي عبد السلام في تراتبية نضرة وفيحاء، وبهوية حديقة عريقة وحديثة . يتداخل فيها السكون بالصخب، وتكتنفها الموجودات الصامتة الساكنة، وكأنه تروي بصوت الإشارات ولغة الإيماءات أمجاد زمن يتواصل من الحنين إلى العراقةومن الآصالة إلى الحداثة فكل نخلة وكل شجرة تحكي كيف كان الأطفال يلعبون و يمرحون وكيف كان الطلبة يراجعون مقرراتهم الدراسية ويتهيئون لغمار الإمتحانات، وكيف كانت هذه الحديقة موعدا للشعر ولأحلى قصص الرومانسية التليدة، وكيف كانت تتوالد قصص من العشق والغرام تحت ظلال الأشجار، تترجمها النظرات والإبتسامات واللقاءات . وبمجرد الولوج للحديقة، يزداد الشعور لدى المرء بتمازج البيئة مع التاريخ، وكأن المكان تكتنفه روح سامية للأمير مولاي عبد السلام ،ذاكـ الأمير الذي ظل إسمه يتردد على مر الأيام، ليتوحد مع المكان والزمان … فقد كان الأمير مولاي عبد السلام العلوي، أميرا نابها، عالما عارفا،وكان محبا للحدائق والمتنزهات، ولم يمنعه كفاف بصره من معانقة الطبيعة بكل أسرار جمالها .. وطبيعي، قإن الأمير مولاي عبد السلام، كان أحد أبناء السلطان العلوي الشهير سيدي محمد بن عبد الله، الذي عاش مابين سنتي 1710 الى 1790 ، في سياق ثمانية عقود حفلت بالمنجزات والمعمار والعطاء العلمي والدفاع عن حوزة البلاد والعباد، ، وقد كان يهتم كثيرا بتصميم البساتين والحدائق ، فتعلم منه أبنائه كل ذلكـ ، ولقد أقطع قطائعَ لأبنائه في مراكش التي إتخذها عاصمة لحكمه ، فكانت عرصة المامونية من نصيب لأمير مولاي المامون،و العرصة المجاورة لها فيما يورده الرواة والمؤرخين من نصيب الأمير مولاي عبد السلام الضرير . ولم تمنع الإعاقة ، وفقدان البصر الأمير مولاي عبد السلام من التحصيل والعلم، ولا حالت بينه وبين ما كان غيه من حب للطبيعة وعشق لإعداد الجنائن ، ولقد كلفه والده بترؤس بعثات كثيرة لمملكة أنجلترا، فإنكب على دراسة اللغة الإنجليزية ، فكان من أوائل المغاربة ممن يتقنونها خلال أواخر القرن الثامن عشر، وبداية القرن التاسع عشر.
هذا، وفي الوقت الذي لاتزال تحمل الحديقة إسم مولاي عبد السلام هذا الأمير العاشق للحياة والطبيعة، يتقاسم كل من الفندق والمستشفى إسم شقيقه الأمير مولاي المامون، لكون الإثنين أسسا على تراب عرصة المامونية التي ليست سوى حبة عقد من العديد من العراصي ، التي تحولت في مراكش إلى تجمعات سكنية، وأحياء لا يربطها بالعراصي سوى الإسم، على غرار عرصة الغزايل وعرصة الملاك وعرصة المسفيوي وعرصة بلبركة وعرصة البردعي وعرصة الحوتة، وعرصة إيهيري، وعرصة بن إبراهيم، واللائحة طويلة .