دار الثقافة للزرابي بمراكش: خيوط تجمع المغرب في لوحة واحدة

مـحـمـد الـقـنــور :

شكل إفتتاح“ دار الثقافة للزرابي”،  بحي دفة وربع ما بين حي القصور التاريخي، وسوق السمارين، وعلى بعد خطوات من ساحة جامع الفنا العالمية، بحضور مجموعة من الفعاليات الأكاديمية، وخبراء التراث الوطني، والأوساط الاقتصادية، والدوائر التجارية والسياحية والمصرفية، والجهات الجمعوية والمنابر الإعلامية، حدثا ثقافيا وحضاريا، وقيمة نوعية إضافية للخريطة الثقافية المحلية والوطنية، وذلكـ كرياض متكامل وفق روح الهندسة المغربية الأصيلة والتصاميم الوطنية العمرانية، مما يجعله ليس مجرد فضاء معماري أنيق ومزدهر، بل ذاكرة تجسد حي عريق ينبض بروح مدينة مراكش العتيقة، حيث تختلط الأصوات بالعطور والألوان، وتتقاطع الحكايات الشعبية مع إيقاع الحياة اليومية، لتنبثق هذه المؤسسة  كجسر بين الماضي والحاضر، ولغة بصرية مشفّرة، وفنّ مستقل يعكس هوية المغاربة وروافد الحضارة الوطنية، من خلال حفظ سرّ الزرابي المغربية وعرضها كلوحات فنية نسجتها أيادٍ الصناع المغاربة والحرفيين المهرة، لتروي قصص أجيال عبر القرون من الحرفيين  .

دار الثقافة للزرابي: مؤسسة تروي قصة الزربية المغربية

فداخل سينوغرافيا مُحكمة، تدعو دار الثقافة للزرابي زوارها إلى جولة متكاملة تمتد لنحو 45 دقيقة حيث تمثل كل غرفة ويعكس كل رواق منطقة مغربية من الأطلس الكبير، إلى الأطلس المتوسط ، ومن حواضر المملكة العريقة إلى أرجاء الحوز، وإمتدادات السهول، وسكون الواحات .

إلى ذلكــ ، لا يقتصر الأمر على عرض الزرابي، بل تُروى خلف كل قطعة قصة دقيقة وسياق ثقافي خاص بها. وتضم المجموعة قطعاً نادرة من أرشيف خاص بُني على مدى نصف قرن، تمتاز بقيمتها التاريخية حيث يعود أقدمها إلى أربعينيات القرن التاسع عشر، بزخرفاتها وبرموزها وعلى اختلاف طرائق نسجها وحياكتها، وموادها المتنوعة، بدءا من زرابي من الحرير، وأخرى من الوبر الأسود أو شعر الماعز، وقطع مربعة، و”كليم” خاص بجهاز العروس، وبعضها من نسج الرجال، حيث يتكامل المسار مع قاعة الفن الحديث وقاعة التحف النادرة المخصّصة لأجود القطع الأثرية وأندرها.

وبالموازاة مع حضور مختلف أنواع الزرابي المغربية، تعرض دار الثقافة للزرابي، بزقاق دفة وربع في حي القصور بمراكش، تحفاً تراثية تعكس فنون بلغ العيش، من قبيل البلغة المغربية، والحقائب، ووسائد الزينة، والأرائك النسيجية إلى جانب كتب وأدوات أصلية تستعملها النساء في فنّ النسج مثل المغازل والمشاتل و”القراشيل” أمشاط الصوف.

هذا، ويقف وراء هذا المشروع الثقافي الإحيائي للثراث الوطني، الخبير في المجال ناصر كسيكس، المنحدر من الجيل الرابع لعائلة تجارية عريقة دأبت على جمع وخبرة الزرابي.

ويشير الخبير ناصر كسيكس، أنه بعد سنوات دراسته في الخارج، عاد إلى المغرب ليواصل مسار عائلته، مؤكدا أن المثل الأمازيغي المعروف يؤكد أن الزربية المغربية كتابٌ مفتوح، تكتب فيه النساء بالصوف والزمن روحَ هذا الوطن.

كما يؤكد كسيكس، أن  دار الثقافة للزرابي، لا تستعرض مكونات وأسرار وتنوعات ومميزات الزربية المغربية فقط، وإنما  تختزل منتهى التكريم لنساء النسيج، من الغازلات والصابغات والناسجات والحائكات ممن يوقعن ببصمات الجمال والرقي والتميز، على  رسائل  الفرادة والعراقة التي تكمن في زرابيهن.

الزربية المغربية : مسار تاريخ وعناوين حضارة

تعزز دار الثقافة للزرابي، بعدها الثقافي، بآليات رقمية وتوثيقية سمعية بصرية من خلال قاعة مخصّصة لعرض فيلم وثائقي فرنسي نادر يعود إلى أربعينيات القرن الماضي، وإلى جانب لوحات طباعة حجرية للفنان والباحث جان بيسانسنو، صاحب المؤلَّف المرجعي “أزياء المغرب”، تكشف أنماط عيش النساء الأمازيغيات وأزيائهن وحِلييهن عبر التاريخ، مما يمنح الزائر المغربي، والسائح الأجنبي سياقاً تاريخياً يثري فهمه لتطور الزربية المغربية.

دار الثقافة للزرابي، منصة للإبداع ، وسطح للتأمل

ولا تكتفي دار الثقافة للزرابي، بدورها كمتحف، وصالات عروض حية لمسافات زمنية مغربية أصيلة، بل تُقدم نفسها كفضاء حيّ تفاعلي ضمن ورشات ميدانية للتعلّم، قصد تمكين زوارها من خوض تجربة النسيج، والإطلاع على أسرار نسيج الزرابي، وتقنياته، وخوض تجربة صنع “ميني زربية” في ورشة تعلمية تمتد لساعتين.

كما تعتبر”بوتيك الفن الأمازيغي”، من خفقات قلب هذه الدار، حيث تقدم معروضات فنية وقطع إبداعية، مستوحاة من التراث الأمازيغي الذي يتميز بجمالية فريدة تنبع من رموزه المتعددة الدلالات، ومن ألوانه الطبيعية، ومن حمولته الثقافية التي تعكس هوية عريقة متجذرة في التاريخ المغربي. كمنظومة من القيم والفنون التي تجسد علاقة الإنسان الأمازيغي بالطبيعة وبالحياة وبالكون.

هذا، ويختم الزائر المغربي والسائح الأجنبي جولته المتعددة الأركان، بالسطح البانورامي الجميل والفسيح لدار الثقافة للزرابي حيث تنفتح مراكش العتيقة، كلوحة فسيفسائية نابضة بالحياة، تمتد أمام العين بحفاوة الضيافة المراكشية ، الممزوجة بنكهات الشاي المغربي بمختلف أنواعه مع عبق الحلويات المغربية التقليدية، على إمتداد أسطح البيوت الطينية بلونها الأحمر الدافئ، تتخللها مآذن المساجد التي تعانق السماء، فيما تتسرب أصوات الأسواق القريبة من ساحة جامع الفنا وسوق السمارين كأنها موسيقى يومية لا تنقطع، وضمن إطلالة لصومعة الكتبية كحارس صامت، يضفي على الأفق هيبة وعمقاً.

تلكــ ، هي دار الثقافة للزرابي، فضاء يختزل جمالية مراكش، ومؤسسة ثقافية سياحية تراثية تجمع بين الأصالة والدهشة، حيث الماضي يطل من كل زاوية، والحاضر يتنفس في كل حركة، والإستمتاع على سطحها البانورامي يشكل دعوة للتأمل، وللاستماع إلى نبض مدينة مراكش التي لا تنام، حاضرة التاريخ والحضارة ، ومدينة الحكايات والرموز.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.