زهرية مراكش 2026 قطرات العطر الممتدة بين التراث العريق والاحتفاء الجماعي

مـحـمـد الـقـنــور :                                                             

بحضور العديد من الأوساط الأكاديمية وخبراء التراث المادي والغير المادي ورجال ونساء الأعمال، وممثلي الدوائر الرسمية، والمنتخبين والمنتخبات، وأطر القطاعات الثقافية والجهات التربوية، إنطلقت صبيحة اليوم الأحد 22 مارس فعاليات الدورة الرابعة عشرة لموسم تقطير ماء الزهر بمتحف الفنان التشكيلي المغربي والعالمي فريد بلكاهية على تراب مقاطعة النخيل بمراكش، والمنظم من طرف جمعية منية مراكش بشراكة مع وزارة الشباب والثقافة والتواصل و المجلس الجماعي لمراكش ومجلس جهة مراكش آسفي، والعديد من أطر المؤسسات الإقتصادية والتربوية والاجتماعية، والفنانين التعبيريين والتشكيليين، وأرباب الحرف والصنائع الفنية، والصحافيين من ممثلي المنابر الإعلامية البصرية والسمعية والورقية والإليكترونية.

وعرفت فعاليات إفتتاح الزهرية وإستهلالها، التي قدمت فقراته الشاعرة الأستاذة أمل عباسي، كلمة لكل من الأستاذ جعفر الكنسوسي الباحث الأكاديمي في قضايا التراث المادي والغير المادي المغربي، والأديبة المثقفة الأستاذة رجاء بنشمسي، حيث تناولت الكلمتان باللغة العربية واللغة الفرنسية عمق الزهرية التراثي والتاريخي، وأهدافها، ومراميها التعليمية والحضارية والبيئية، وإرتباطها المكاني بالجنائن والعراصي والبساتين والحدائق، والزماني الموازي لإطلالة أيام فصل الربيع الأولى في مراكش تلتها خفقة قلب أدبية للأستاذ الأديب والحافظ الراوي محمد نجيب بنبين، قدم خلالها شفويا خبايا ومستملحات المقامة الوعظية للحريري، بأسلوب أثار إعجاب وتثمين الحضور، تلاه عرض لجمعية المنية قدمته الأستاذة خديجة القزويني حول مشروع لإعادة الإعتبار لعرصة الزنبوع الشهيرة تاريخيا بجنان الصالحة في مراكش.

في سياق متصل عقدت الأستاذة مليكة عبادي دورة تكوينية، لفائدة الحضور من المتتبعين والمهتمين إنصبت حول تلقين أليات وتقاليد ومراسيم تقطير الزهر ، ومواصفاته العلمية وتقاليده المتوارثة وطقوسه الاحترافية في مراكش وبعض حواضر المغرب، وموقع الزهرية في تاريخ العطور وثقافة التعطير، كما تم تقديم عروضا موسيقية فنية، وقصيدة الزهرية من فن الملحون من أشعار الشيخ مصطفى برادي، وعرضا لفيلم وثائقي حول الموضوع، بالإضافة إلى مجلس للحكي عن أهمية الزهرية وتداعياتها في القوالب السردية الشعبية للحكواتي والفنان الشعبي محمد بارز .

هذا، وتمتد فعاليات الزهرية المذكورة من 22 مارس إلى 12 أبريل القادم، كتقليد أصيل لتقطير “ماء زهر” النارنج، المسجل ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي لدى منظمة الإيسيسكو، حيث يتوحد مع مباهج وأفراح ربيع مراكش، وزخمها التراثي، وتعدد روافدها الحضارية، وتكليلا لإعتبارها عاصمة للثقافة بالعالم الإسلامي، ويندمج مع لحظات هدوئها الربيعي في مراكش، حيث تختلط نسائم أزاهير النارنج بتغاريد العصافير على الخمائل، والأدواح وداخل البساتين والحدائق.

هذا، وأكدت زهرية مراكش منذ نسختها الأولى، على حضور النساء المراكشيات خصوصا، والمغربيات عموما كحارسات لتراث حيّ، تتناقله الأجيال عبر القرون، في طقوس احتفالية جماعية تربط بين مظاهر الطبيعة وعمق الذاكرة وانطلاقات الروح.

ومن خلال مرجعياتها الأدبية ومساراتها الفكرية الرامية إلى صون التراث المادي والغير المادي الوطني، فإن جمعية منية مراكش تعتبر الزهرية جزءا من الذاكرة الحيّة للمغاربة، ففي قلب الرياضات والجنائن والبيوت المراكشية، ظلت النساء تتوارث مراسم تقطير ماء الزهر خلفا عن سلف، ضمن لحظات رمزية تعلن انقضاء فصل الشتاء والأيام المطيرة، وبداية الربيع، وبزوغ الإخضرار، والعطر، الممزوج بالأهازيج، والأذكار وفنون السماع  والطرب، عبر مظاهر متمدنة تجعل من موسم الزهرية مناسبةً للفرح والسكينة، يتحول أثناءها عطر النارنج إلى لغة كونية تصل بين القلوب والنفوس، وتصقل الأذهان وتعيد دفء الأواصر الاجتماعية.

في سياق متصل، يتضمن برنامج دورة الزهرية الحالية فقرات تمتد عبر فضاءات متعددة من مراكش المدينة العتيقة إلى الأحياء الحديثة، وإمتدادات حاضرة الرجال السبعة نحو الجبل والسهل، من خلال أنشطة مبرمجة بمؤسسة دار الشريفة، في حي المواسين العريق، ومؤسسة “مدينة إيريتاج” Medina Heritage بزقاق الشعراء على مقربة من ضريح أحد رجالات مراكش السبعة، الولي القطب مولاي عبد الله الغزواني “مول القصور”، فضلا عن مؤسسات تربوية تعليمية أخرى، كما ستشمل ذات الفعاليات معرضا لفن الخط العربي، مع وصلات سماع ومديح بضريح الولي القطب الشيخ أبي العباس السبتي.

كما يرتقبُ تنظبم مشاركات واسعة لجمعيات المجتمع المدني بكل من ساحة جامع الفناء وعرصة مولاي عبد السلام، فضلا عن أنشطة لإطلاع الطلبة والباحثين والمهتمين على دلالات ورمزية وكيفيات طقوس الزهرية، وإرتباطاتها الحرفية والثقافية، والإجتماعية والروحية، وذلكــ بكل من كلية الآداب، وكلية الطب والصيدلة، والمدرسة العليا للتكنولوجيا، وفندق سوفيتيل، وبدار الطالبة، وبمرصد واحة النخيل، ودار الثقافة للزرابي في درب “دفة وأربع” بحي القصور بعمق المدينة العريقة.

ومعلوم، أن زهرية مراكش ليست مجرد مواسم لتقطير ماء الزهر، وليست فقط طقسًا عريقًا تتوارثه النساء، بل هي فضاءٌ أرحب، يفتح أبوابه للذاكرة والروح والفكر معًا.

 ففي الوقت الذي سيتصاعد فيه بخار “زهرة النارنج” من “الإنبيق” لفترة تزيد عن أسبوعين، ستلتئم موازاة مع ذلكــ أسئلة الفكر في ندوة حول القانون الجديد لحماية التراث المغربي وأدوار المجتمع المدني، تعيد أسئلة  التراث وتناقش سبل حمايته، وهو ما ظل يطبع موسم الزهرية منذ تأسيسها بالطابع المزدوج لأهدافها المتمثلة في العطر الذي يملأ الحواس، والفكرٌ الذي يضيء العقول،والفن الذي يصقل الأرواح، ويحشد الأذواق ويحول زهرية مراكش إلى مناسبة تجمع بين صفاء الروح وعمق الحوار، حيث تتجاور فنون السماع وصوت الطرب مع آراء الأكاديمين وإشراقات المختصين ونقاشات الباحثين، وتلتقي الأهازيج الشعبية مع الأطروحات الأكاديمية، في انسجامٍ ينخر عباب الأزمنة التليدة لمدينة مراكش التي تعرف كيف تصون تراثها، وتحوّله إلى مادة للتأمل والتجديد.

والواقع، أن إدارة جمعية منية مراكش، تمكنت لأكثر من عقد من الزمن، بأن تحول مراسيم الزهرية من طقسٍ موسمي جماعي؛ إلى إعلانٌ جمالي وحضاري على أن الثقافة المغربية قادرة على الجمع بين العطر والفكر، وبين الاحتفاء والوعي، وبين الماضي الممتد نحو الحاضر الذي يُقطّر في قطرات ماء الزهر والمستقبل الذي يُصاغ في قاعات الندوات، وعلى الموائد المستديرة للنقاش، ومدرجات الكليات، وفضاءات المعاهد ليصبح من خلاله ماء الزهر رمزًا للفكر وعنوانا للإحتفالية ودعوات لتثمين التراث الوطني، والغوص في أسرار مراكش البهجة.

قد يعجبك ايضا مقالات الكاتب

أترك تعليقا

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.